صيام رمضان









الشيخ محمد بهجة البيطار





﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 183].





هذا تنزيل من رب العالمين، وخطاب لمن رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا ورسولاً، وهم أمَّته المنتشرون في مشارقِ الأرض ومغاربها، البالغون نحو أربعمائة ألف ألف مسلم ومسلمة في هذا العصر، وآيةُ الصيام صريحةٌ في أن هذه الفريضة لم تختصَّ بهذه الأمة، بل هي شاملة لسائر أبناء الملل السماوية؛ كاليهودية والمسيحية وغيرهما، وهذه المِللُ وإن اختلفت في كيفية الصيام أو عدد الأيام فقد اتفقت في أصل الوجوب، واشتركت في تحمُّل هذا الواجب القبائل والشعوب.





الصيام عبادة رُوحية، ورياضة بدنية، وتهذيب للشهوة البهيمية، وطريقة اقتصادية ثابتة لشفاء الأمراض؛ "صوموا تصحوا"، وإشعار للغنيِّ المنعَّم بحاجة أخيه الفقير المعدِم، فما أحوج هؤلاء الذين يستكثرون من الطعام، ويتفننون في أنواعه ويكثرون منها، ويدخلون الطعام على الطعام، فيأكلون من دون شهية ولا حاجة، ثم يشكُون عُسر الهضم وفساد المعدة، ما أحوج هؤلاء إلى الصوم الذي يقوِّي أبدانهم وينقِّيها من هذه الفضلات السامة، وينقذها من العناء والبلاء، ويردها إلى حالتها الصحية الطبيعية! إن تعجب فعجب ممن يشكون آلام المعدة والرئتين، والكبد والكُليتين، والأمعاء والقلب وغيرها ثم لا يتوبون من الانهماك في الشهوات البهيمية الهدامة، ولا هم يتذكرون فائدة الصوم في الاستشفاء من جميع هذه الأمراض.





ألا ليت هؤلاء يعرفون حكمةَ الصيام وفوائده ومنافعه، إذًا لعرفوا أنه هو الواقي من الأمراض والشافي منها بإذن الله.





أكتب هذه الكلمة في حكمة الصوم وفوائده، وبين يدي كتاب الطب الطبيعي الذي بحث فيه مؤلفه الفاضل في فائدة الصوم العظيمة في شفاء العلل المتنوعة، ونقل نصوص أشهر الأطباء في القرنين الماضي والحاضر في الاستشفاء بالصوم، وقال: إن معظم الفضل في ذلك يرجع إلى الأطباء الأميركان؛ فقد كان الدكتور (دي وى) أول من بدأ في وضع القواعد العلمية لهذا المبدأ الجليل، ونشرها في عدة كتب، ذكر فيها حوادث لا تكاد تحصى ممن عالجهم واختبر أحوالهم أثناء صيامهم مدة طويلة، وهذه المؤلَّفات انبعث منها نور جديد أضاء على هذا العلم النفيس، وأماط اللثام عن سره المصون، فنبه أفكار العلماء إلى هذا الفن الحيوي.





ويثبت الأستاذ الشهير (ميكفادن Makfaddent) في مؤلفه (الصوم للصحة) أن تِسعينَ بالمائة من الأمراض التي تنتاب الجنس البشري يمكن انتفاء شرها بواسطة الصوم، أما الفيلسوف الروسي (ألكس سوفرين) فإنه أثبت في مؤلفه (التطبيب بالصوم) أن خمسة وتسعين بالمائة من العلل السارية يمكن شفاؤها كل الشفاء بالإمساك عن الطعام.





قال المؤلف: ومضى عليَّ زهاء (35) سنة في اختيار هذا المذهب الجليل، وكل سنة تزيد ثقتي به؛ لأنه ندر أن وجد علة قابلة للشفاء، وسمح الوقت لمعالجتها بالصوم مع بعض ذرائعَ طبيعية إلا وكان شفاؤها أكيدًا.





للصوم عدا الفوائد الصحية التي ألمعنا إليها فوائدُ أعلى وأغلى منها رُوحية واجتماعية، فأعظمها خطرًا، وأفضلها أثرًا، إحياء ملَكة المراقبة لله تعالى، ومحاسبة النفس على القليل والكثير؛ فالصائم الذي يشتد جوعه أو ظمؤه، وتعرض عليه أنواع المشتهيات من الطعام والشراب، ويخلى بينه وبينها، ثم يعرض عنها على شدة حاجته إليها إيمانًا واحتسابًا، لا جرم أنه يصبح قويَّ الإرادة ثابت العزيمة، قويم الخُلق (المبدأ)، ويسهل عليه احتمال سائر المشقات، واجتناب جميع المحرمات؛ لأنها كلها دون ترك الأكل والشرب اللذين هما قوام الحياة.





ومن حكم الصوم "المساواة" بين الأغنياء والفقراء، وشعور الغني بحاجة الفقير؛ فالمترف الذي يكون محرومًا في صيامه حرمان الفقير في عدمه، واليتيم في يتمه، والبائس في بؤسه، يرق قلبه على هؤلاء الأصناف، ويواسيهم في يَسارِه، يشاركهم في إفطاره، كما شاركهم في صومهم، وفي مرضاة ربهم.





كلمة إلى النواب الكرام بمناسبة الصيام:


أيها النواب الكرام، إن الذي ينوب عن الأمة ويتكلم باسمها هو منها وإليها، وإن من يشذ عن دينها وأدبها لا يحق له أن يدَّعيَ أنه منها، ولقد علمت أن الصوم هو الرسم الباقي عند أكثر المسلمين بعد أن تهاونوا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة؛ فالذين يجاهرون بالإفطار في رمضان، ويتناولون الطعام والشراب جهارًا ونهارًا في المطاعم والفنادق والمقاهي هم أشدُّ فتكًا بالإسلام وضررًا بالمسلمين من كل مخالف لهم، طاعن بدِينهم وعقائدهم.





فنقترح على مجلسكم الموقر باسم الإسلام والمسلمين أن تضعوا نظامًا شديدًا يردع السفهاء عن سَفَهِهم، ويرد الشهوانيين على الأقل إلى بيوتهم ليستتروا في معاصيهم، فهذا مطلوب منكم، بل واجب عليكم، كما يجب على حكومتنا المسلمة تنفيذه؛ حفظًا للبقية الباقية من أخلاق هذه الأمة، وإبقاءً على آخر رابطة اجتماعية إسلامية، وإنا لمنتظرون.





وأنتم أيها المربون والمربيات والمعلمون والمعلمات، اتقوا الله تعالى فيمن تربُّون ومن تعلمون، وكونوا قدوة صالحة لهذه الناشئة.





أنتم تعلمون - أيها الزملاء الكرام - أن الأمم الحية تحافظ على عاداتها القومية، وشعائرها المليَّة مما نحن في أشد الحاجة إليه، وهو ملقى على عواتقنا والنشء أمانة بين أيدينا، فاذكروا قوله سبحانه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71].





المصدر: مجلة التمدن الإسلامي، السنة الثالثة، العدد السادس، 1356هـ - 1937م














إضافة تعليق